الذهبي

771

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

- سنة تسع وأربعين وخمسمائة فيها نفذ الخليفة عسكرًا ، فما أخذوا تِكْريت بعد حصار ومجانيق وتعب ، وقُتل من الفريقين عدَّة ، ثمّ رَأَى الخليفة أنّ أخْذها يطول ، فرجع بعد أن نازلَها مدَّةَ أيّام ، ثمّ بعد شهر عرض جيشه ، فكانوا ستَّة آلاف ، فجهّزهم لحصارها مَعَ الوزير ابن هُبيرة ، وأنفق في الجيش نحو ثلاث مائة ألف دينار ، سوى الإقامة ، فإنّها كانت تزيد عَلَى ألف كرّ ، فوصل الخبر بأنّ مسعود بلال جاء في عسكرٍ عظيم إلى شهرابان ، ونهبوا النّاس ، وطلب ابن هبيرة للخروج إليهم . وكان مسعود بلال وألْبقش قد اجتمعا بالسّلطان محمد ، وحثّاه عَلَى قصْد العراق ، فلم يتهيّأ لَهُ ، فاستأذناه في التّقدُّم أمامه ، فأذِن لهما ، فجمعا خلْقًا من التُّركمان ، ونزلا في طريق خُراسان ، فخرج الخليفة إليهما ، فتنازلوا ثمانية عشر يومًا ، وتحصّن التُّركمان بالخركاوات والمواشي ، ثمّ كانت الوقعة في سلْخ رجب ، فانهزمت ميسرة الخليفة وبعض القلب ، كسرهم مسعود الخادم وتُرشك ، وثبت الخليفة ، وضربوا على خزانته ، وقتلوا خازنه يحيى بْن يوسف الجزَري ، فجاء منكورس ، وأمير آخر ، فقبّلا الأرض ، وقالا : يا مولانا ، ثبت علينا ساعة حتّى نحمل ، فقال : لا والله إلّا معكما ، ورفع الطّرحة ، وجذب السّيف ، ولبس الحديد هُوَ وولّي العهد وكُبّرا ، وصاح الخليفة : ياآلَ مُضر ، كذب الشّيطان وفرّ ، " وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كفروا بغيظهم " الآية ، فحمل العسكر بجملته ، ووقع القتال ، حتّى سُمع وقْع السّيوف كوقْع المطارق عَلَى السّنادين ، وانهزم القوم وسُبي التّركمان ، وأُخِذت مواشيهم وخيلهم ، فقيل : كانت الغنم أربعمائة ألف رأس ، فبيعت كلّ ثمانين بدانق ، ثمّ نُودي بردّ من سُبي من أولادهم ، وأخذ ألْبقشُ أرسلان شاه بْن طُغرل ، وهرب بِهِ إلى بلده ، وانهزم تُرشك ، ومسعود الخادم إلى القلعة ، ثمّ أغارا بعد أيّامٍ عَلَى واسط ، ونهبوا ما يختصّ بالوزير ابن هبيرة فندبه الخليفة إلى القتال ، فخرج بالعسكر ، فانهزم العدوّ ، فأدركهم ، ونهب منهم ، وعاد منصورًا ، فخلع عَلَيْهِ الخليفة ، ولَقَّبه : سلطان العراق ، ملك الجيوش ، وعرض الجيش في أبهة كاملة . ولمّا كَانَ يوم الفِطْر ، جاء مطرٌ ، ورعدٌ ، وبرق ، وزُلزلت بغداد من شدَّة الرّعد ، ووقعت صواعق ، منها صاعقة في التاج المسترشدي .